رشفَت أمل من فنجان قهوتها وهي تتطلع إلى مانهاتن المقابلة لها، ثم نظرت إلى طارق الجالس أمامها. كان هذا لقاءهما الأول، وكان قلبها يخفق باضطراب خفيف. لم يمضِ على تعارفهما سوى بضعة أسابيع، حيث كانت أمل معلمة الروضة الخاصة بـ "عائشة"، ابنة أخت طارق. كان الحديث بينهما ينساب بسلاسة وراحة بالغة، لدرجة أن دعوة اللقاء لم تتأخر كثيراً. والآن، هما يلتقيان في أحد أجمل المقاهي المطلة على نهر "إيست ريفر" في نيويورك.
كانت أمل، بجمالها الطبيعي وقوامها الممتلئ الرشيق، تلفت الأنظار دائماً، لكنها اعتنت بمظهرها بشكل خاص في ذلك اليوم. كانت ترتدي بلوزة بيضاء ذات أكمام قصيرة وتفاصيل من الدانتيل الناعم، تنورة متوسطة الطول بألوان الباستيل الهادئة. تركت شعرها منسدلاً بتموجات خفيفة عند أطرافه، ووضعت خطاً رقيقاً من كحل العيون مع أحمر شفاه وردي ناعم، لتحصل على إطلالة بسيطة وأنيقة في آن واحد. أما التعبير الباسم على وجهها، فكان يجعلها أكثر جاذبية كعادتها.
وكان طارق يجلس أمامها بحضوره الجذاب ونضجه المعتاد. مزج في أناقته اليوم بين الأسلوب العصري والمريح؛ ارتدى قميصاً باللون الأزرق الفاتح وسروالاً باللون الكحلي الداكن. في معصمه ساعة كلاسيكية، وشعره مصفف إلى الخلف بخفة، بينما أضفت لحيته الخفيفة لمسة من الجاذبية والوقار على ملامحه.
قال طارق وهو ينظر إلى الأفق وسماء المدينة: "طالما كانت نيويورك مدينة ساحرة بالنسبة لي، لكن الجلوس أمام هذا المشهد البديع يصبح أكثر تميزاً بوجودكِ إلى جانبي."
ردت أمل بابتسامة خجولة: "أظن أن هذه المدينة، مهما بلغت صخبها وتعقيداتها، تجذب المرء إلى أعماقها. ربما لهذا السبب تأثرت بها إلى هذا الحد."
استمر الحديث بينهما بانسياب تام. كانت أمل معجبة بذكاء طارق ورؤيته الواسعة للحياة. وبحكم عمله في قطاع السياحة وإدارة الفنادق الدولية، زار طارق العديد من البلدان وعاش بين ثقافات مختلفة؛ إيطاليا، إسبانيا، فرنسا... أبحرت أمل في حكاياته وكأنها تنتقل إلى عوالم أخرى وهي تستمع إليه.
قال طارق وهو ينظر في عيني أمل مباشرة: "أنا متواجد هنا من أجل العمل منذ فترة، لكنني في حركة سفر مستمرة. السفر للخارج يسحرني دائماً، لكن التواجد هنا الآن له طعم آخر تماماً. ماذا عنكِ؟ هل لديكِ أحلام مماثلة؟"
أخذت أمل رشفة أخرى من قهوتها وفكرت قليلاً: "طالما أحببتُ العمل مع الأطفال. اكتشاف عوالمهم وتعليمهم يمنحني سعادة بالغة. ربما في المستقبل قد أرغب في دراسة أنظمة التعليم المختلفة في الخارج، لكن هذا المكان يمنحني الطمأنينة أيضاً."
نظر إليها طارق بنظرة أكثر عمقاً وقال: "من الصعب ألا يُعجب المرء بكِ. الحديث مع شخص مثلكِ يمنح إحساساً مختلفاً بحق."
شعرت أمل ببعض الخجل من هذه الكلمات، لكنها أسعدتها في الوقت نفسه. كان اهتمام هذا الرجل يبدو صادقاً وحقيقياً. كان طارق مريحاً في التعامل معه، وفي الوقت نفسه يتسم بالجدية، بينما كانت أمل تشعر بالحرية والسعادة وهي إلى جانبه. كان المكان وتلك اللحظة يبدوان وكأنهما صُمما خصيصاً لهما بمعزل عن العالم.
بعدناول الوجبة، اقترح طارق على أمل القيام بنزهة مشياً على الأقدام على طول الساحل في حديقة "جسر بروكلين". وبينما كانت حمرة الغروب تضيء سماء نيويورك، انطلقا معاً. خطوة بخطوة على طول الشاطئ، عمقت أحاديثهما؛ وتطرقا إلى تفاصيل حياتهما، أحلامهما، وماضيهما. كلما رأت أمل نضج طارق وشغفه بالحياة، ازدادت تعلقاً به. وكان طارق بدوره يزداد تقديراً لطاقتها وصدقها مع كل دقيقة تمضي.
قال طارق في نهاية النزهة: "لقد قضيتُ يوماً جميلاً جداً معكِ. أنا سعيد حقاً بمعرفتكِ يا أمل."
ابتسمت أمل وقالت بصدق: "وأنا كذلك، كان هذا اليوم رائقاً بحق."
مال طارق نحو أمل بخفة وسألها ببريق صادق في عينيه: "هل نكرر هذا اللقاء مجدداً؟"
أومأت أمل برأسها وهي تشعر بالمزيج من الحماس والسعادة: "بالتأكيد."
وفي تلك اللحظة، ومع نسيم البحر العليل، فتحت قصتهما صفحة جديدة في هذه المدينة. كان هناك الكثير من اللحظات التي سيقضيانها معاً، لكن هذا اللقاء الأول وضع الحجر الأساس للرباط الذي ينشأ بينهما.