تخطٍ إلى المحتوى

طفلي

الفصل 2 · قراءة 3 دقيقة

طفلي

الفصل 2

حين التقينا

لا تنسوا الإعجاب والتعليق🙂

---

من منظور أمل

في الفصل أثناء اللعب مع الأطفال، كانت عيناي تتسللان بين الحين والآخر نحو الساعة. لم يحن موعد استراحة الغداء بعد، لكن الصغار الذين ينفد صبرهم كانوا يأتون إليّ بين الفينة والأخرى ويسألونني: "معلمتي، متى سنخرج إلى الساحة؟". كان الفصل مفعمًا بألوان الباستيل، مكانًا دافئًا ولطيفًا؛ الجدران مزينة برسومات الأطفال، وفي زاوية الألعاب تترصص الرفوف المليئة بالألعاب الصغيرة. كانت هذه الأوقات التي أمتلئ فيها ببهجتهم كل صباح تمنحني سعادة بالغة.

عندما طرق الباب بلطف، تركتُ اللعبة التي كنت ألعبها وتوجهتُ نحوه. حين فتحته، كان يقف أمامي رجل طويل القامة ذو بنيان قوي. كان يرتدي بدلة أنيقة ذات قصة متقنة، وعلى وجهه تعبير جاد ولكنه دافئ في الوقت نفسه. لم أتعرف عليه في الوهلة الأولى، لكن لم يستغرق الأمر طويلاً لأدرك أنه عمّ الصغيرة "عائشة" الجالسة في الفصل، حيث كانت والدتها قد أبلغتني بمجيئه. بالمناسبة، كانا يتشابهان كثيراً، إذ كانت العائلة تمتلك رسمة عينين تميزها بشكل واضح.

قلتُ وأنا أبتسم: "مرحباً، أظن أنك عمّ عائشة؟". كان في صوتي نبرتي الودودة المعتادة. "تفضل، هل أردت السؤال عن شيء؟".

ابتسم الرجل بخفة وعرف عن نفسه قائلاً: "أجل، أنا طارق، عمّ عائشة. كانت والدتها ستذهب إلى اجتماع اليوم، فجئتُ أنا بدلاً منها. كما أن يتيمتي منذ أن بدأت المدرسة وهي تتحدث عنكِ كثيراً، فأردتُ التعرف عليكِ."

شعرتُ بالخجل لبرهة، لكن الابتسامة لم تفارق وجهي. قلتُ: "عائشة طفلة لطيفة للغاية. نحن نبذل قصارى جهدنا هنا لتقضي وقتاً رائعاً، وأرجو أن تكون مسرورة."

أومأ طارق برأسه وهو يلقي نظرة خاطفة داخل الفصل وقال: "نعم، لقد تحدثت عنكِ لدرجة أنني بدأتُ أشعر بالفضول لرؤيتكِ."

مع استمرار الحديث، بدأت رسمية طارق الأولى تحل محلها نبرة أكثر دفئاً. كان شغفه وتعلّقه بابنة أخته جلياً في كلماته. ذكر أنه يعمل في قطاع السياحة ويهتم بإدارة الفنادق في نيويورك، وأضاف أن أعماله مكتظة للغاية لكن عائشة تحتل مكانة مهمة جداً بالنسبة له.

جعلتني هذه الجمل أدرك مدى ارتباطه بعائلته. قلتُ بصدق: "هذا أمر رائع، تخصيص الوقت لعائلتك أمر يستحق التقدير."

كان حديث ذلك اليوم قصيراً ولكنه كان ذو معنى عميق. شعرت بوجود شيء غير مرئي ينشأ بيننا. كانت كل كلمة يقولها طارق تحمل نضجاً يبعث على الثقة، بينما تأثر قلبي من الداخل بصدقه. عندما ودعنا بعضنا وانصرف، كنتُ أعلم في قرارة نفسي أن هذا التعارف ليس سوى بداية.

بعد ذلك اليوم، واصل طارق إحضار عائشة إلى المدرسة. وفي كل مرة كان يأتي فيها، كنا نتجاذب أطراف الحديث لفترة قصيرة، ونتحدث أحياناً عن تطور عائشة. أما عائشة فكانت تنتهز كل فرصة للتحدث عن عمها بمديح.

في أحد الأيام، قالت لي وهي تفتح عينيها على وسعهما: "عمي يحبكِ كثيراً يا معلمتي! إنه يكون سعيداً دائماً عندما يتحدث معكِ."

جعلت هذه الكلمات وجنتيّ تحمران خجلاً، لكنها أحدثت موجة من الدفء في داخلي. كان الحديث مع طارق في كل مرة يأتي فيها يجعل أيامي أكثر معنى.

وفي ذات مساء، وصلتني رسالة نصية غير متوقعة على هاتفي:

"سيدة أمل، أود أن أشكركِ. بفضلكِ أصبحت ابنة أختي تذهب إلى المدرسة بشغف أكبر. هل يمكننا شرب فنجان من القهوة معاً؟ هل يمكنكِ تخصيص بعض الوقت؟"

أدهشني هذا العرض وأسعدني في الوقت نفسه. ورغم جدول أعماله المزدحم، فإن رغبته في قضاء الوقت معي كانت إشارة إلى أن الرباط بيننا يزداد عمقاً. كانت تلك القهوة الأولى بمثابة نقطة تحول بدأت فيها حياتنا تتداخل بشكل أكبر.

نهاية الفصل

0 تعليق

لا توجد تعليقات على هذا الفصل بعد. اكتب أول تعليق.