استيقظت لينا على وضوح قاسٍ لم تكن تتوقعه. لم يكن الصباح يحمل نوراً مبشراً كعادته في دبي، بل كان ثقيلاً كوشاح داكن يلف روحها. تراءى لها وجه أمها، وملامح فارس المنصوري، تتراقصان في غشاوة بين اليقظة والمنام، كأشباح واقع أليم. حاولت أن تتنفس بعمق، أن تدفع الكابوس بعيداً، لكنه لم يكن كابوساً، بل حقيقة مُرّة ستقف أمامها الأسبوع القادم في "رؤية شرعية".
مدّت يدها نحو هاتفها بجسد متثاقل، أطفأت المنبه قبل أن يصدح. لم تكن بحاجة إليه لتوقظها، فقد غادر النوم عينيها باكراً، تاركاً إياها مع أفكار تتصارع في رأسها بلا هوادة. فارس المنصوري. زميلها في العمل. الشريك في مشروع "أفق" الأخير. الرجل الذي كان مجرد محترف يتشارك معها الطموح والمواعيد النهائية، تحول بقدرة قادر إلى "العريس المقترح" لحل أزمة عائلتها.
جلست على طرف سريرها، شعرها الداكن الكثيف ينساب خلف حجابها المربوط بإهمال، نظرت إلى الغرفة التي طالما كانت ملاذها. جدرانها البيضاء البسيطة، رفوف الكتب التي تعج بكنوز المعرفة، لوحة خط عربي صغيرة معلقة بعناية. كل شيء بدا كما هو، ومع ذلك، لم يعد شيء على طبيعته. كانت روحها هي التي تغيرت، تشققت تحت وطأة قرار لم تختره.
نهضت، وسارت نحو النافذة المطلة على أبراج دبي الشاهقة التي بدأت تفيق تدريجياً. الشمس الذهبية الأولى بدأت ترسم خطوطاً على الزجاج العاكس، لكن وهجها لم يبلغ قلب لينا. شعرت وكأنها تنظر إلى عالم غريب، عالمها الخاص قد انهار أو توقف عن الدوران. كيف يمكن أن يكون هذا هو مصيرها؟ أن تتزوج رجلاً اختارته الظروف، لا القلب؟
تنهدت بعمق، وحاولت أن تستجمع قواها. "يجب أن أكون قوية"، همست لنفسها. "لأجل أمي، لأجل العائلة". كانت تلك هي التعويذة التي تلقنتها منذ صغرها، تعويذة الشرف والمسؤولية التي كانت تُلقى على عاتق الأبناء كحمل ثقيل. كان زواجها هو الحل. الحل الوحيد. ولكن أي حل هذا الذي يدمر روحها في سبيله؟
ارتدت ملابسها بعناية، اختارت طقم كتان محتشماً بلون البيج الفاتح والكريمي، ووضعت حجاباً أنيقاً بلون الياقوت العميق، محاولة أن تبدو كالمعتاد، محافظة على مظهرها المهذب والوقور. لكن عينيها العنبريتين كانتا تحملان ظلاً من التعب والوجع، ورغم محاولتها إخفاءه، كانت تعلم أنه ينعكس في مرآتها.
وصلت إلى الشركة، "رؤى المستقبل للتقنية"، وهي نفس الشركة الناشئة التي يعمل بها فارس. كانت الأجواء صاخبة كالعادة، أصوات لوحات المفاتيح المتواصلة، همهمات النقاشات الهادئة، ورائحة القهوة الطازجة تملأ المكان. لطالما أحبت هذه الأجواء الديناميكية، التي تشعرها أنها جزء من شيء أكبر، جزء من الحداثة والتقدم. لكن اليوم، كان كل صوت وكل وجه يذكرها بواقعها الجديد.
عبرت بهدوء بين المكاتب المفتوحة، كل خطوة كانت تتخذها تقربها من لقاء حتمي. لم تكن تعلم كيف ستواجهه. كيف يمكنها أن تتصرف بشكل طبيعي بعد أن أصبحت تعلم بالترتيبات العائلية؟ هل يعرف هو أيضاً؟ أم أنه غافل تماماً عن الصدمة التي هزت عالمها؟
لمحته يجلس في مكتبه الزجاجي، يستعرض شيئاً على شاشته الكبيرة، كانت ملامحه الجادة والمركزة هي ذاتها التي تعرفها في كل اجتماع. شعره الداكن القصير مصفف بعناية، لحيته الخفيفة مشذبة بدقة. عينيه الداكنتين كانتا تخترقان الشاشة بتركيز، كعادته. كان يرتدي سترة عملية فوق قميص أبيض، يبدو مهذباً ومنظماً كما دائماً. "المنصوري"، اسمه وحده كان كافياً ليجعل نبضات قلبها تتسارع.
جلست خلف مكتبها، وحاولت الغوص في مهامها اليومية، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها على الشاشة دون أن تستوعبها. كان ذهنها مشتتاً، مشتبكاً في شبكة من الأسئلة والتوقعات. ما هو شعوره تجاه هذا الزواج المرتب؟ هل هو راضٍ؟ هل هو مضطر مثلي؟ أم أنه يراه فرصة؟
مرت الساعات ثقيلة. كانت تتجنب النظر في اتجاه مكتبه، وتخفض رأسها كلما شعرت بوجوده بالقرب. كانت تشعر بعرْق بارد يتصبب منها كلما تخيلت مجرد لقاء عابر معه في الممر، أو تبادل لتحية روتينية.
في منتصف اليوم، دُعيت إلى اجتماع طارئ لمناقشة التحديثات الأخيرة لمشروع "أفق". لم يكن هناك مهرب. كان فارس ينتظر بالفعل في غرفة الاجتماعات عندما دخلت. كان يجلس في مكانه المعتاد، يرتشف القهوة بهدوء، ويستعرض أوراقاً أمامه. نظرت إليه للحظة خاطفة، ثم أدارت وجهها بسرعة نحو المقعد المقابل.
"صباح الخير لينا"، قال بصوته العميق الهادئ. كان صوته يحمل نبرة الاحترام والاحترافية التي اعتادتها. لم يكن هناك أي شيء غير عادي. أو هكذا بدا لها.
"صباح النور فارس"، أجابت بصوت خفيض، حاولت أن تجعله يبدو طبيعياً قدر الإمكان، لكنها شعرت أن الكلمات خرجت منها بصعوبة.
بدأ الاجتماع. كان فارس يتحدث عن تقدم المشروع، يشرح التحديات والحلول المقترحة ببراعة، كقائد حقيقي للمشروع. كانت لينا تستمع إليه، تحاول التركيز على حديثه، لكنها لم تستطع سوى مراقبة حركات يديه، انحناءة رقبته، تعابير وجهه التي كانت تتغير بمرور الأفكار. كان محترفاً، ذكياً، وواسع المعرفة. كل الصفات التي كانت تحترمها فيه كزميل عمل، بدت الآن تكتسب أبعاداً أخرى، أبعاداً شخصية لم تكن ترغب في التفكير فيها.
هل يمكن أن يتولد الحب من الاحترام؟ سؤال أمها طنّ في أذنها. هل هذا الرجل، الذي يحمل كل هذه الصفات الجيدة، يمكن أن يكون يوماً ما زوجها، شريك حياتها؟ هل ستستطيع أن تراه أبعد من زميل عمل؟ هل سيستطيع هو أن يراها أبعد من مجرد زميلة؟
انتهى الاجتماع. تبادلوا بعض الملاحظات النهائية، ووقفوا جميعاً للمغادرة. كان فارس يتحدث مع أحد المبرمجين حول نقطة تقنية، بينما حاولت لينا الخروج بسرعة.
"لينا، لحظة لو سمحتِ".
توقفت لينا، وتصلبت في مكانها. "نعم؟" سألت، قلبها يدق بقوة في صدرها.
التفت إليها فارس، وعلى وجهه ابتسامة هادئة غيرت ملامحه الجادة قليلاً. "هل يمكنك البقاء لدقائق لمناقشة بعض التفاصيل حول عرضنا التقديمي الأسبوع القادم؟"
شعرت لينا وكأن الدماء جُمدت في عروقها. عرض تقديمي الأسبوع القادم؟ هو يتحدث عن العمل، وهي تتحدث عن… هل هو حقاً لا يعرف؟
"بالتأكيد"، قالت بصوت بالكاد مسموع، حاولت أن تجمع شتات نفسها. "لحظات فقط."
جلس الاثنان في غرفة الاجتماعات الفارغة. كان الصمت ثقيلاً، مليئاً بما لم يُقل.
"لقد راجعت الشرائح التي أرسلتِها، وهي ممتازة كالعادة"، بدأ فارس، وعيناه تنظران مباشرة إليها. كانت نظراته حادة، لكنها لم تحمل شيئاً سوى المهنية. "لدي اقتراحين بسيطين لتعزيز الجزء الخاص بتحليل البيانات، أعتقد أنهما سيضيفان عمقاً للعرض."
أومأت لينا برأسها، أخذت نفساً عميقاً، وحاولت التركيز. "تفضل".
شرح فارس اقتراحاته بوضوح، وكان منطقه قوياً. كانت لينا تتظاهر بتدوين الملاحظات، لكنها كانت في الواقع تستمع إلى إيقاع صوته، وتراقبه عن كثب. لاحظت خطوطاً دقيقة حول عينيه عندما يبتسم ابتسامة خفيفة، وكيف أن شعره يميل قليلاً نحو الجانب الأيمن. تفاصيل صغيرة لم تكن تلاحظها من قبل، بدأت الآن تظهر بحدة مرعبة.
"ما رأيك؟" سأل.
استفاقت لينا من شرودها. "أه... نعم، تبدو أفكاراً ممتازة. سأقوم بتضمينها على الفور."
"عظيم"، قال فارس بابتسامة رضا. "بإذن الله، سيكون عرضاً ناجحاً."
"إن شاء الله"، ردت لينا، ثم نهضت. "إن لم يكن هناك شيء آخر، سأعود إلى مكتبي للعمل عليها."
"شكراً لك لينا"، قال. كانت نبرته صادقة وممتنة.
خرجت لينا من الغرفة، واندفعت إلى مكتبها، عقلها يدور. هل كان هذا لقاءً عادياً حقاً؟ أم أنه كان هناك شيء في نظراته، في صوته، في إيماءاته، شيء خفي لم تستطع التقاطه؟ هل هو أيضاً يراقبها الآن؟ أم أنه يعيش حياته بشكل طبيعي تماماً؟
في طريق عودتها إلى المنزل، رن هاتفها. كانت أمها.
"أهلاً يا أمي"، قالت لينا محاولة إضفاء بعض البهجة على صوتها.
"أهلاً بكِ يا ابنتي. كيف كان يومك؟" سألت الأم، ثم تابعت دون انتظار رد. "أردت فقط أن أذكركِ بأن تتأكدي من أن فستانكِ لليوم المحدد جاهز. لا نرغب في أي مفاجآت. لقد تحدثت مع والدته اليوم، وكانت مسرورة جداً، ويبدو أن فارس أخبرها بموافقته النهائية."
تجمدت لينا. "وافق؟" خرجت الكلمة كصيحة خافتة. لم تكن الكلمات تخرج من حنجرتها بسهولة.
"أجل يا ابنتي. لقد وافق رسمياً. كان رجلاً كريماً ومحترماً للغاية. قال إنه يثق في اختيار عائلته، وإنه سمع عن سمعتكِ الطيبة في العمل، وهذا يكفيه."
التقطت أنفاسها بصعوبة. "أمي، هل هو... هل هو سعيد بهذا؟"
"لم أسمع منه سوى كلمات الاحترام والتقدير. أما السعادة يا ابنتي، فهي شيء نصنعه نحن بيدينا مع الأيام. المهم هو القبول المتبادل والرغبة في بناء أسرة صالحة. لا تقلقي، كل شيء سيكون على ما يرام بإذن الله."
أنهت لينا المكالمة، ويدها ترتجف قليلاً على عجلة القيادة. إذن هو يعلم. بل وافق أيضاً. سمع عن سمعتها الطيبة. وكأن هذا يكفيه. شعرت بغصة في حلقها. "الاحترام". "القبول المتبادل". "بناء أسرة صالحة". كلمات كبيرة، أثقل من أن تحملها روحها المتعبة الآن.
عند وصولها إلى المنزل، لم تكن تشعر بالجوع. توجهت مباشرة إلى غرفتها، ألقت بجسدها على السرير، محدقة في سقف الغرفة. شعرت أن قطعة من نفسها قد اختفت، قطعة من حلمها القديم بالحب والرومانسية، بالاختيار الحر والقلب الذي يدق لأجل شخص واحد.
أمسكت بهاتفها، وفتحته على صفحة فارس الشخصية على "لينكد إن" – كانت هذه هي الطريقة الوحيدة "المقبولة" اجتماعياً للبحث عن معلومات عنه دون تجاوز الحدود. تصفحت إنجازاته المهنية، مقالاته التي كتبها، توصيات زملائه. كلها تتحدث عن رجل ناجح، طموح، محترم. لكنها لم تجد شيئاً عن فارس الإنسان. عن أحلامه، عن ضحكاته، عن الجروح التي قد تخفيها روحه.
تنهدت، ووضعت الهاتف جانباً. كان لديها أسبوع واحد فقط. أسبوع لتتقبل هذا الواقع الجديد، لتستعد للقاء الذي سيحدد بقية حياتها. أسبوع لتنظر إلى فارس المنصوري ليس كزميل عمل، بل كرجل قد يشاركها السقف والحياة.
وفي تلك اللحظة، في سكون الليل، وميض إشعار على هاتفها. رسالة بريد إلكتروني جديدة.
كانت من فارس المنصوري. عنوانها: "متابعة اجتماع اليوم - عرض أفق".
فتحتها بقلب مرتجف. كانت رسالة مهنية بحتة، تُلخص النقاط التي اتفقوا عليها في الاجتماع، وتضيف ملاحظة أخيرة: "أتطلع إلى رؤية التعديلات، وإلى لقائنا الأسبوع القادم لمناقشة التفاصيل النهائية للعرض."
"لقائنا الأسبوع القادم..." تكررت الكلمات في ذهنها. هل يقصد اجتماع العمل؟ أم أنه كان تلميحاً مبطناً، إشارة إلى "اللقاء" الآخر الذي كان ينتظرهما؟ كانت عيناه الجادتان تتراءيان لها، وابتسامته الهادئة، هل كان يعلم أنها تعرف؟ هل كان يرمي بتلك الكلمات عمداً؟ انتابتها موجة من الفضول الممزوج بالخوف، تسللت إلى أعماقها.