استيقظت لينا فجرًا، وروحها معلقة في فسحة من الوعي بين النوم واليقظة، تتأمل خيوط الشمس الذهبية وهي تنسج طريقها عبر النافذة. لم يكن الصباح كأي صباح آخر. فمع كل نفس، كانت تستشعر ذلك الرابط العاطفي غير الملموس، ذلك التلامس الخاطف للأيدي في الحديقة الذي ترك وراءه أثرًا عميقًا في قلبها وذاكرتها. فارس المنصوري، اسمه وحده كان كافيًا لإثارة ارتباك غريب في أعماقها. كان رجلًا يجمع بين الحداثة المتطورة وشغف دفين بالتراث، تناقض أسرها بقدر ما أقلقها. كيف يمكن لرجل بهذه الصلابة الظاهرية أن يخفي قلبًا يرق للتاريخ العتيق؟
نهضت من فراشها، وذهبت إلى شرفتها الصغيرة التي تطل على أفق دبي الصاعد، تتأمل الأبراج الزجاجية المتلألئة. المدينة كانت تستيقظ معها، تضج بالحياة والصخب الذي يبدأ قبل أن تشرق الشمس بوضوح. ارتدت حجابها الأنيق ذي اللون الزمردي الغامق فوق فستانها الكتان باللون الكريمي، وتركت شعرها الكثيف الداكن المتموج ينسدل تحته بشكل طبيعي. كانت حركاتها رقيقة، تعكس حضورًا وقورًا وهدوءًا ظاهريًا، بينما كانت عواصف من التساؤلات تضرب أعماقها. كيف ستواجه فارس مرة أخرى في بيئة العمل؟ هل سيكون لقاؤهما هذه المرة مجرد متابعة مهنية بحتة لمشروع الأرشفة؟ أم أن ذلك الشغف المشترك للتراث سيعيد تذكيرها باللحظة التي جمعتهما؟
تجهزت لينا لعملها، ورائحة القهوة العربية الفواحة تملأ أرجاء شقتها، ممزوجة بعبق البخور الخفيف الذي اعتادت أن تشعله كل صباح. في طريقها إلى الشركة، كانت تتأمل الشوارع المزدحمة، حيث يختلط التراث الأصيل بالمعمار الحديث. كانت تحاول أن تركز على العمل، على مشروع أرشفة التراث الذي يمثل جزءًا كبيرًا من هويتها المهنية والشخصية. لكن صورة فارس كانت تقتحم تفكيرها، تلك العيون العميقة الداكنة، والابتسامة الخفيفة التي ظهرت على شفتيه لحظة تلامس أيديهما.
وصلت لينا إلى مكتبها، مكتبها الذي يقع في قلب أحد الأبراج الزجاجية اللامعة. كانت شركة "المدى للتراث" التي تديرها لينا هي بيت خبرتها، وهي تخصصت في دمج التقنيات الحديثة مع أصالة التراث العربي. جلست إلى مكتبها وشرعت في مراجعة جدول أعمالها. لم يمضِ وقت طويل حتى تلقت رسالة بريد إلكتروني من شركة فارس، "تقنيات المنصوري". كان عنوان الرسالة: "متابعة اجتماع مشروع الأرشفة الرقمية - الخطوات التالية".
فتحت لينا الرسالة، وقطعت أنفاسها للحظة. كان توقيع فارس المنصوري في الأسفل، بخط أنيق وواضح. كانت الرسالة مهنية بحتة، تحدد الخطوات التالية وتطلب اجتماعًا آخر في غضون يومين لمناقشة التفاصيل الفنية. شعرت لينا بموجة من الإحباط ممزوجة بالارتياح. الإحباط لأن الرسالة كانت جافة ومهنية تمامًا، والارتياح لأن هذا يعني أنها ستراه مرة أخرى قريبًا.
أمضت لينا بقية الصباح في العمل على عروض تقديمية للمشروع، محاولة تشتيت نفسها عن الأفكار التي كانت تتقافز في عقلها. في فترة ما بعد الظهر، بينما كانت في مكتبها تستعرض بعض الوثائق التاريخية على شاشتها، رن هاتفها. كانت والدتها.
"أهلاً أمي، كيف حالك؟" قالت لينا بصوت دافئ، محاولة إخفاء أي أثر للتوتر.
جاء صوت والدتها من الطرف الآخر، يحمل نبرة جادة غير معتادة: "أهلاً بك يا ابنتي. أنا بخير، لكن... لدينا أمر مهم نحتاج للتحدث فيه. هل يمكنك الحضور إلى المنزل بعد العمل مباشرة؟ عمتك سارة ستكون هناك أيضًا."
تقلص قلب لينا. عمتها سارة لم تكن تزور إلا عندما يكون هناك أمر جلل. عادة ما تكون عائلتها كريمة ومرحبة، لكن دعوة مثل هذه، خاصة مع عمة مثل سارة، كانت تعني عادة أن هناك مشكلة، أو قرارًا عائليًا كبيرًا على وشك الاتخاذ.
"هل كل شيء بخير يا أمي؟" سألت لينا، محاولة أن تبدو هادئة.
"سيكون كذلك بإذن الله، لكن الأمر يحتاج منا جميعًا إلى التكاتف. تعالي يا ابنتي وسنفهمك كل شيء."
أنهت لينا المكالمة وقلبها يرتجف. كانت تشعر بثقل يلقي بظلاله على بقية يومها. كانت الأزمة العائلية جزءًا من حياتهم منذ أن تعرض والدها لبعض التعثرات في استثماراته العقارية قبل عامين. لقد استنزف ذلك الأزمة الكثير من مواردهم، وهزت مكانة الأسرة الاجتماعية التي بنيت على سنوات طويلة من السمعة الطيبة والثراء. كانت لينا تساهم قدر استطاعتها، لكنها كانت تعلم أن المشكلة أكبر من أن تحلها وحدها.
عندما وصلت إلى منزل العائلة الفخم في المساء، كان الهدوء الذي يسبق العاصفة يلف الأرجاء. كانت رائحة عطر والدتها الفاخر، ومزيج من البخور الهادئ، يملأ صالون الاستقبال الكبير. رأت والدتها وعمتها سارة جالستين على الأريكة المخملية، وتعبيرات الجدية مرسومة على وجهيهما. كان والدها يجلس في زاوية الغرفة، بصمته أبلغ من الكلام، وعيناه تحملان قلقًا عميقًا.
تبادلت لينا التحية معهم، وجلست مقابلهم. لم يكن هناك حديث حول العمل أو اليوم الذي مضى، بل مباشرة دخلت الأم في صلب الموضوع.
"لينا يا ابنتي، تعلمين حجم الأزمة التي نمر بها," بدأت والدتها بصوت خفيض لكنه حازم، "لقد حاول والدك بكل ما أوتي من قوة، ولكن الأمور بلغت حدًا لا يمكن التغاضي عنه بعد الآن."
تابعت عمتها سارة، التي كانت معروفة بحكمتها وعقلانيتها، "نحن عائلة لها تاريخها وسمعتها، وهذه الأزمة تهدد كل ما بنيناه. لقد تشاورنا مطولًا، وبحثنا عن حل جذري يضمن لنا استعادة مكانتنا، والأهم من ذلك، حماية مستقبل أخيك الأصغر وسمعة عائلتنا."
شعرت لينا ببرودة تسري في عروقها. كانت تخشى أن يأتي هذا اليوم. كانت تعرف أن الحلول الجذرية في مجتمعهم غالبًا ما تنطوي على تحالفات أسرية قوية.
أومأ والدها بصمت، مؤكدًا كلامهما.
"لقد وجدنا هذا الحل، وهو حل سيقدم لنا الدعم الذي نحتاجه، ويعيد لعائلتنا استقرارها ومكانتها، ويوفر الحماية المطلوبة," أضافت والدتها.
رفعت لينا رأسها، وعيناها تستكشفان وجوه والديها وعمتها، تبحث عن أي إشارة لما سيأتي.
"لينا، ابنتي، هذا الحل يتمثل في رباط مقدس يجمع بين عائلتين كريمتين، رباط يضمن المصالح المشتركة ويقوي الروابط الاجتماعية." قالت والدتها وهي تنظر إليها نظرة تحمل مزيجًا من العزم والحنان.
"وما هو هذا الرباط يا أمي؟" سألت لينا بصوت بالكاد مسموع، وقد أدركت للتو أن كلمة "رباط" تعني زواجًا.
تنهدت والدتها بعمق، ثم تابعت: "لقد تقدمت عائلة كريمة ذات شأن ومكانة لطلب يدك يا ابنتي. عائلة المنصوري..."
كلمة "المنصوري" ضربت لينا كالصاعقة. تجمدت في مكانها، وعقلها يستعيد صورة فارس المنصوري، رجل الأعمال الطموح، وشغفه الخفي بالتراث، ودفء لمسة يده. أهذه مزحة القدر؟ هل يمكن أن يكون فارس نفسه؟ أم أنه مجرد تشابه في الأسماء؟ كان قلبها يدق بعنف، مزيجًا من الخوف والفضول، بينما كانت تتساءل إن كان القدر قد جمعها به بطريقة لم تكن لتتخيلها قط.